جلال الدين السيوطي

354

تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب

وقتلوا أهلها ، وصيّروها تلولا سنة ثماني عشرة وستمائة ، وبينها وبين نيسابور أحد عشر يوما . والثانية : مدينة بفارس قرب إصطخر . قال ابن مكتوم : لعلّ وفاة الإمام فخر الدين في الأولى منهما . قال الصفديّ : ولما مات الإمام فخر الدين خلّف ثمانين ألف دينار سوى الدوابّ والعقار وغير ذلك ، وخلّف ولدين : الأكبر منهما تجنّد في حياة أبيه ، وخدم خوارزم شاه . والآخر : اشتغل ، ولم نعلم له ترجمة . ومن أخبار الإمام فخر الدين : نقلت من خطّ ابن مكتوم ، قال : كتبت من خطّ قاضي القضاة تقي الدين بن دقيق العيد ما نصّه : حدثني محمد بن عبد الله البغداديّ أنّه زامل إنسانا من أشراف العجم من بلد الموصل إلى حلب ، فذكر أنّه أدرك العلّامة فخر الدين بن الخطيب ، وحكى عنه أنّه أقام ثلاثة أيّام ، ولم يأكل فيها شيئا للعدم ، وكان في المدرسة حينئذ ، وأنّ الطلبة كانوا يؤذونه ، فتطلب ما يمكن بيعه ليقتات به ، فلم ير ما يتأتى له بيعه إلا سرواله ، فخرج وباعه ، ثم وقع اختياره على شراء الشواء ، ليتيسّر أكله ، وحاجته إلى التعجيل ، فاشترى شيئا منه في رقاق أو خبز ، وقصد المجيء إلى المدرسة ، فخشي من وجود من يؤذونه من الطلبة عند بابها ، ثم جاء فوجدهم على باب المدرسة ، فعند ما همّ بالدخول قام على كلب ، وأخذ منه الشواء والخبز ، ورماه حتى انكشفت عورته أمام من كان يحذره ، فاشتد عليه الأمر جدا ، وغلبت عليه السوداء ، فلما أصبح جاءه إنسان يسمّى عندهم سرهنك أي الجندار ، فاستدعاه للسلطان ، فظنّ أنّ ذلك من أذى الطلبة له مع ما كان فيه من الحال ، فضربه بالإبريق ، فحاد عنه ، وانكسر ، وذهب الجندار ، فأخبر أنّهم أرسلوه إلى مجنون ، فقال البعيث : نحن أخطأنا ، فطلب له من السلطان خلعة ، وسيّر بها ، فلما وصلت إليه آمن مما كنا نخافه ، وصعد ، فلقي البعيث ، فطلب منه قبل كلّ شيء ما يأكله ، فأحضر له ما سدّ به ضرورته ، ثم دخل إلى السلطان ، فوجد الجمع والمنبر منصوبا ، فأمره السلطان بالصعود ، فصعد المنبر ، فتكلّم ، فأعجب السلطان بكلامه ، وسلم إليه ولده يقرئه . انتهى .